محمد كرد علي

101

خطط الشام

تأثير الوقف في العمران : رأينا في أيامنا مزارع ومنها البعيد عن المدن ، المتعذر استثماره بحسب العرف ، قد أصبحت حدائق غلبا بفضل توفر مالكيها على تعهدها ، وطول آمالهم في تحسينها ، إرادة أن يستمتعوا بها هم وأولادهم من بعدهم ، ولو كانت من نوع الوقف لخربت وبارت ، ولأعرضوا عن تعهدها كما هو المشاهد في القرية الموقوفة والأرض الموقوفة . ولكم رأينا الداثر الغامر إلى جانب الزاهر العامر . وحالة المسقفات أو العقارات كحالة المستغلات بل أدهى وأمرّ . وكذلك الحال في الأناسي الذين يعيشون من أوقافهم ومن يعيشون من زراعتهم أو صناعتهم أو تجارتهم ، فتجد في الأولين اتكالا مجسما وهمما متراخية ، وفي الآخرين مضاء وعزما وشمما وحسن ثقة بأنفسهم . وعندي أن من وقفوا الأوقاف وحبسوا الأحباس لأبنائهم ومن يجيء بعدهم قد أضروا بهم أكثر مما نفعوهم ، والرزق كالحياة لا طاقة لصغير أو كبير أن يضمنه لنفسه فكيف به لغيره . كانت الأوقاف نافعة في الصدر الأول لقلتها ، ولأنها محبوسة على وجوه البر وعلى البائسين خاصة . فقد سأل شيخ عاجز من أهل الذمة عمر بن الخطاب شيئا فقال له : ما أنصفناك أخذنا منك الجزية زمن شبابك ، ولم نكفك مؤونة التكفف أيام عجزك ، وأمر له من مال الصدقة بما يكفيه . من أجل هذا كانت الحبس على هذه الغاية الشريفة مما لا يسع عاقلا إنكار نفعه . ولكن الملوك ومن بعدهم من رجال الدول أنشأوا يجعلون من أموال المغارم أوقافا ، وقلما تشاهد المخلص فيما حبس ووقف . الأوقاف عند قدماء العثمانيين : كانت تغلب على ملوك بني عثمان في مبدأ أمرهم البداوة والسذاجة والتدين ، ولذلك ملأوا بروسة وأدرنة والآستانة وكوتاهية وازنيق بأوقافهم ومدارسهم ، وكذلك فعل وزراؤهم وكانوا يتناولون أرزاقهم من مقاطعات يقطعهم إياها سلطان الوقت . فلما غلبت عليهم الحضارة وفتحوا مصر والشام في عهد سليم وتكاملت فتوحهم في عهد سليمان ، أصبحوا يتفننون في ضرب